أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

إسرافيل عليه السلام

التعريف بإسرافيل عليه السلام 

إسمه ومعناه ومكانته 

إسرافيل عليه السلام أحد الملائكة المقرّبين الذين خصهم الله تعالى بمهام عظيمة تتعلق بمصير الكون كله. واسمه مشهور في كتب التفسير والعقيدة، وإن لم يرد صريحًا في القرآن الكريم، فقد ثبت في السنة الصحيحة. ويُقال إن معنى اسمه في اللغات القديمة مرتبط بالعبودية أو القرب من الله، وإن كان الأصل في ذلك غير مقطوع به. 

إسرافيل عليه السلام
إسرافيل عليه السلام من الملائكة المقربين

ومكانته بين الملائكة عظيمة، إذ هو أحد الثلاثة الذين يكثر ذكرهم معًا: جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقد ورد اسمه في دعاء النبي ، مما يدل على علو قدره. والإيمان به داخل في الإيمان بالملائكة، وهو ركن من أركان الإيمان الستة. لذلك فمعرفته ليست مجرد معرفة تاريخية، بل هي مسألة عقدية ترتبط بالإيمان باليوم الآخر وأحداث القيامة الكبرى.

طبيعته وخلقته

إسرافيل عليه السلام مخلوق من نور، كما ثبت في الحديث الصحيح أن الملائكة خُلقت من نور. وهذه الطبيعة النورانية تدل على صفاء جوهره وطهارته من صفات البشر. فهو لا يأكل ولا يشرب، ولا ينام، ولا يعصي الله ما أمره، بل هو قائم بأمر الله في كل لحظة. 

وقد وصف العلماء إسرافيل بأنه من أعظم الملائكة خلقًا، لأن مهمته عظيمة جدًا، تتعلق بالنفخ في الصور إيذانًا بانتهاء الدنيا وبدء الآخرة. وهذه المهمة تقتضي استعدادًا دائمًا وترقبًا مستمرًا لأمر الله. 

وطبيعته النورانية لا تعني استقلالًا، بل هو عبد مخلوق، خاضع لربه، منفذ لأمره دون تأخير أو تردد. وهذا يرسّخ في العقيدة أن كل قوة في الكون خاضعة لإرادة الله وحده.

منزلته في العقيدة الإسلامية

الإيمان بإسرافيل عليه السلام واجب، لأنه داخل في الإيمان بالملائكة واليوم الآخر. فمهمته مرتبطة بأحداث القيامة، والإيمان بالقيامة لا يكتمل إلا بالإيمان بما أخبر الله ورسوله عنها. وقد ذكر العلماء أن إنكار وجوده أو إنكار النفخ في الصور يناقض النصوص الشرعية. لذلك اعتنى أهل السنة ببيان دوره في أحداث الآخرة، وأثبتوا ما ورد فيه من غير زيادة ولا نقصان. 

كما أن ذكره مع جبريل وميكائيل في دعاء النبي يدل على مكانته الخاصة بين الملائكة. ومن هنا فإن الحديث عن إسرافيل ليس مجرد حديث عن ملك من الملائكة، بل هو حديث عن بداية نهاية الدنيا وبداية الحياة الأبدية، مما يجعله عنصرًا محوريًا في العقيدة الإسلامية.

مهمته الكبرى – النفخ في الصور

معنى الصور وحقيقته

الصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل بأمر الله تعالى. وقد جاء ذكر الصور في القرآن الكريم في مواضع عديدة، مما يدل على أهميته في أحداث القيامة. وقد اختلف العلماء في وصفه، لكن الراجح أنه قرن عظيم لا يعلم حقيقته إلا الله. والنفخ فيه إيذان بانتقال الكون من حال إلى حال، ومن مرحلة الدنيا إلى مرحلة الآخرة. 

إسرافيل عليه السلام
إسرافيل عليه السلام ونفخ الصور

وهذا الحدث ليس رمزًا بل حقيقة غيبية أخبر الله بها، فيجب الإيمان بها كما جاءت. والصور ليس مجرد أداة، بل هو وسيلة لتنفيذ أمر إلهي عظيم، به تنتهي حياة الخلق جميعًا. ومهمة إسرافيل هنا ليست مستقلة، بل هي تنفيذ مباشر لأمر الله، مما يدل على عظم الأمانة التي كُلّف بها.

النفخة الأولى – نفخة الصعق

النفخة الأولى التي ينفخها إسرافيل هي نفخة الصعق، وفيها يموت من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله. وهذه النفخة تمثل نهاية الحياة الدنيا بكل ما فيها من حركة وصخب. فالجبال تُنسف، والبحار تُفجر، والسماء تنشق، وكل ذلك يحدث بأمر الله عند النفخ في الصور. وهذه اللحظة عظيمة تهتز لها أركان الكون. 

وإسرافيل عليه السلام هو المنفذ لهذا الحدث الكوني الهائل. وهذا يبين عظم مهمته، إذ يتعلق بها فناء الخلق جميعًا. وهي لحظة لا يعلم وقتها إلا الله، لكن إسرافيل متهيئ لها، منتظر للأمر، مما يعكس حالة الاستعداد الدائم التي يعيشها هذا الملك الكريم.

النفخة الثانية – نفخة البعث

بعد نفخة الصعق تأتي نفخة البعث، وفيها يُعاد الخلق إلى الحياة للحساب والجزاء. وهذه النفخة تمثل بداية الحياة الآخرة، حيث يخرج الناس من قبورهم قيامًا ينظرون. فكما أن النفخة الأولى أنهت الحياة الدنيا، فإن الثانية تعيد الحياة في صورة جديدة خالدة. 

ومهمة إسرافيل في هذه اللحظة أعظم ما يكون، لأنه ينفذ أمر الله بإحياء الخلق جميعًا. وهذه النفخة تؤكد قدرة الله المطلقة على الإحياء بعد الموت. والإيمان بها يرسخ في القلب يقين البعث، ويجعل المسلم يستعد لذلك اليوم بالأعمال الصالحة.

أثر النفخ في نظام الكون

النفخ في الصور ليس حدثًا عابرًا، بل هو نقطة تحول كونية شاملة. فبه يتغير نظام السماوات والأرض، وينتقل الوجود من مرحلة إلى أخرى. وإسناد هذه المهمة إلى إسرافيل يدل على عظيم مكانته بين الملائكة. 

فهو يقف على حدٍّ فاصل بين عالمين: عالم الفناء وعالم البقاء. وهذه المهمة تبرز أن الملائكة أدوات تنفيذ لإرادة الله في أعظم الأحداث. كما أن تكرار ذكر النفخ في القرآن يؤكد مركزية هذا الحدث في العقيدة الإسلامية.

صفات إسرافيل عليه السلام 

عِظَم الخِلقة والهيئة

إسرافيل عليه السلام من الملائكة العظام الذين اختصهم الله تعالى بمهمات كبرى، ومن الطبيعي أن تكون خِلقتهم مناسبة لعظمة ما كُلِّفوا به. فالملائكة عمومًا خلقهم الله أولي أجنحة متفاوتة العدد والقوة، كما قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. 

وإذا كان النفخ في الصور حدثًا كونيًا شاملًا يغيّر نظام الوجود كله، فإن الذي يقوم به لا بد أن يكون عظيم الخِلقة، قويّ البنية، مهيب الهيئة. وقد ذكر بعض أهل العلم أوصافًا تدل على ضخامته وعظمته، وإن كان كثير منها من الأخبار التي لا يقطع بصحتها، إلا أن الأصل الثابت هو عظم شأنه بين الملائكة. 

وعظمة خلقته ليست ذاتية مستقلة، بل هي مخلوقة لله، تدل على قدرة الخالق، وتناسب حجم المهمة التي أُنيطت به، ليكون أداة تنفيذ في أعظم لحظة انتقال يشهدها الكون.

الاستعداد الدائم والترقب

من أبرز الصفات المنقولة في السنة عن إسرافيل عليه السلام أنه في حالة استعداد دائم لتنفيذ أمر الله. فقد ورد في بعض الأحاديث أن صاحب الصور قد التقم الصور، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر متى يُؤمر فينفخ. 

وهذه الصورة تعكس حالة ترقب مستمرة، وكأن الكون كله متعلق بلحظة واحدة من أمر الله. فالقيامة قد تقوم في أي لحظة يأذن الله بها، وإسرافيل متهيئ لا يتأخر ولا يتردد. وهذا الاستعداد يعبر عن كمال الطاعة والانقياد، إذ لا يفصل بين الأمر والتنفيذ أي زمن بشري معتاد. 

كما أن هذه الحالة الدائمة من الجاهزية تذكّر المؤمن بأن أمر الله إذا جاء لا يُرد، وأن الزمن كله بيده سبحانه. فإسرافيل يعيش في مقام الانتظار المهيب، ترقبًا لأمرٍ هو أعظم أمر سيقع في تاريخ الخليقة.

الطاعة المطلقة والخشية

إسرافيل عليه السلام كسائر الملائكة يتصف بالطاعة المطلقة لله تعالى، فلا يعصي أمرًا ولا يتجاوز حدًا. وقد وصف الله الملائكة بقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، وهذا الوصف يشمل إسرافيل بلا شك. فمهمته العظيمة لا تمنحه استقلالًا، بل تزيده خضوعًا، لأنه يدرك عظمة من يأمره. 

كما أن الملائكة يتصفون بالخشية، قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾. وهذه الخشية ليست خوفًا مذمومًا، بل تعظيم وإجلال لله. فإسرافيل، مع أنه الموكل بأعظم حدث كوني، يقف في مقام العبودية الكاملة، لا يتقدم بين يدي الله، ولا ينفخ إلا بإذنه. 

وهذا يجمع بين القوة والانقياد، وبين عظمة التكليف وكمال التواضع، في صورة عبد كريم قائم بأمر مولاه، ينتظر الإذن الإلهي ليبدأ فصلًا جديدًا من فصول الوجود.

مكانته بين الملائكة 

أحد كبار الملائكة المقرّبين

يُعد إسرافيل عليه السلام من كبار الملائكة الذين اصطفاهم الله لمهام عظيمة تمس مصير الخلق أجمعين. وذكره في السنة مع جبريل وميكائيل يدل على أنه في مرتبة رفيعة من القرب والتكريم. فهؤلاء الثلاثة ارتبطت مهامهم بأعظم أركان الوجود: الوحي، والرزق، والبعث. 

وهذا التخصيص في الذكر يعكس مكانته الخاصة بين الملائكة. وليس معنى القرب هنا قربًا مكانيًا، فالله منزه عن المكان، بل هو قرب تشريف واصطفاء. ومن مظاهر هذا الاصطفاء أن الله جعله صاحب الصور، وهو الحد الفاصل بين مرحلتين من الخلق. 

ومكانته هذه لا تُفهم على أنها تفضيل مطلق على كل الملائكة، بل هي تفضيل من جهة الوظيفة وعظم أثرها في الكون، مما يبرز شرف موقعه في النظام الإلهي.

صلته الوثيقة باليوم الآخر

ترتبط شخصية إسرافيل عليه السلام ارتباطًا مباشرًا بعقيدة اليوم الآخر، لأن النفخ في الصور هو البداية الحقيقية لأحداث القيامة الكبرى. فإذا كان الإيمان باليوم الآخر ركنًا من أركان الإيمان، فإن الإيمان بمنفذ هذا الحدث جزء من هذا الركن. 

فإسرافيل يمثل اللحظة التي تنتهي فيها الدنيا بكل مظاهرها، وتبدأ فيها الحياة الجديدة التي لا فناء بعدها. وهذا الارتباط يجعل ذكره دائم الحضور في أبواب العقيدة المتعلقة بالقيامة. كما أن تصوّر دوره يعمّق الإحساس بعظمة ذلك اليوم، 

وهذا الأخير يجعل المؤمن يعيش على وعي دائم بأن هناك ساعة فاصلة ستأتي حتمًا. ومن هنا كانت مكانته ليست فقط بين الملائكة، بل في بنية العقيدة نفسها، حيث يشكل عنصرًا أساسيًا في فهم تسلسل أحداث الآخرة.

عِظَم المسؤولية الموكلة إليه

المسؤولية التي أُسندت إلى إسرافيل عليه السلام مسؤولية فريدة في نوعها، إذ تتعلق بفناء الخلق وبعثهم من جديد. وهذه المهمة لا تتكرر، بل هي حدث مفصلي يقع بأمر الله مرةً ليُطوى به عالم الدنيا، ومرةً ليبدأ به عالم الآخرة. 

وعِظَم المسؤولية يظهر في كون أثرها يشمل كل مخلوق حي في السماوات والأرض. فبنفخة واحدة يتغير نظام الكون كله. وهذا يبين أن الله اصطفاه لتحمل أمانة عظيمة، لا يتحملها إلا ملك عظيم القوة، ثابت الطاعة، كامل الامتثال. 

كما أن ضخامة الحدث تعكس حكمة الله في توزيع المهام بين ملائكته، بحيث يكون لكل منهم اختصاص يناسب قدرته التي وهبه الله إياها. فإسرافيل يقف على مفترق طرق التاريخ الكوني، حاملًا مسؤولية الانتقال من عالم إلى آخر.

رمز الانتقال بين مرحلتين من الوجود

يمكن النظر إلى إسرافيل عليه السلام بوصفه رمزًا للانتقال بين مرحلتين متباينتين: مرحلة الفناء الدنيوي، ومرحلة البقاء الأخروي. فهو الملك الذي إذا نفخ انتهت حياة الناس كما يعرفونها، ثم إذا نفخ مرة أخرى عادت الأرواح إلى الأجساد وبدأ الحساب.

وهذا الدور الرمزي لا يعني أنه صاحب القرار، بل هو أداة تنفيذ للإرادة الإلهية. غير أن ارتباط اسمه بهذه اللحظة يجعل ذكره يوقظ في النفس مشهد التحول العظيم. فالكون الذي نراه ثابتًا مستقرًا يمكن أن ينقلب في لحظة بأمر الله. 

ومن هنا فإن شخصية إسرافيل تحمل في طياتها معنى التذكير الدائم بزوال الدنيا، وبأن الاستقرار الحقيقي إنما هو في الآخرة. فهو عنوان النهاية والبداية معًا، ودوره يجسد سنّة التحول التي أرادها الله لهذا الوجود.

أثر الإيمان بإسرافيل في حياة المسلم 

استحضار حقيقة القيامة

الإيمان بإسرافيل عليه السلام يجعل المسلم يعيش على وعي دائم بقرب القيامة، لأن النفخ في الصور ليس أمرًا نظريًا بل حقيقة واقعة لا ريب فيها. فحين يعلم أن هناك ملكًا قد وُكل بهذه المهمة العظيمة، وأنه في انتظار الأمر الإلهي، يدرك أن النهاية قد تكون في أي لحظة. 

وهذا الشعور يولّد في القلب يقظة روحية، تدفعه إلى مراجعة أعماله، وتصحيح مساره، والاستعداد للقاء الله. فذكر إسرافيل يذكّر الإنسان بأن الدنيا ليست دار قرار، بل مرحلة عابرة تنتهي بنفخة واحدة. 

ومن هنا يتحول الإيمان به إلى دافع عملي يدعو إلى المسارعة في الخيرات، وترك المعاصي، والحرص على ما ينفع في اليوم الذي يُبعث فيه الناس للحساب.

الزهد في زخارف الدنيا

إذا أيقن المسلم أن الدنيا بكل ما فيها ستنتهي بنفخة واحدة، وأن القصور والأموال والسلطات ستزول في لحظة، خفَّ تعلق قلبه بزخارفها. فالإيمان بإسرافيل عليه السلام يضع الإنسان أمام حقيقة الزوال المحتوم. 

وهذا لا يعني ترك العمل أو السعي، بل يعني أن يكون العمل للدنيا بقدر، وللآخرة بأولوية. فالزهد ليس ترك النعمة، بل عدم تعلّق القلب بها. وذكر النفخ في الصور يذكّر بأن كل ما نراه ثابتًا هو مؤقت. 

وهذا الفهم يعيد ترتيب الأولويات في حياة المسلم، فيقدّم ما يبقى على ما يفنى، ويجعل سعيه متوازنًا بين عمارة الأرض والاستعداد للدار الآخرة. وهكذا يتحول الإيمان بإسرافيل إلى ميزان يزن به الإنسان قيمة الأشياء.

تعظيم قدرة الله والإيمان بحكمته

إن التأمل في مهمة إسرافيل عليه السلام يعمّق الإيمان بقدرة الله المطلقة. فالله الذي يميت الخلق جميعًا بنفخة، ويحييهم بنفخة أخرى، هو الإله القادر على كل شيء. وهذه القدرة لا يحدها زمان ولا مكان. 

إسرافيل عليه السلام ليس إلا منفذًا لأمر الله، مما يؤكد أن الفاعل الحقيقي هو الله وحده. والإيمان بهذه الحقيقة يملأ القلب تعظيمًا لله، ويجعل العبد يستسلم لحكمته في الإماتة والإحياء. 

كما أن إدراك أن البعث حق يجعل الإنسان مطمئنًا إلى عدل الله، إذ سيجمع الخلق ليجازي كل إنسان بعمله. ومن هنا فإن الإيمان بإسرافيل لا يقف عند حدود المعرفة الغيبية، بل يثمر يقينًا بقدرة الله، وثقةً بعدله، وتسليمًا بحكمته في تدبير شؤون الخلق في الدنيا والآخرة.

الأدلة من القرآن الكريم 

قوله تعالى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾

ورد ذكر النفخ في الصور في مواضع متعددة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى في سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾. وهذه الآية نص صريح في وقوع النفخة الأولى التي يعم أثرها جميع المخلوقات. 

إسرافيل عليه السلام
ذكر دور إسرافيل  في القرآن الكريم

وهي تدل على شمول الحدث، وأنه لا يقتصر على أهل الأرض فقط، بل يشمل من في السماوات أيضًا. وذكر الصعق هنا بمعنى الموت أو الإغماء الشديد الذي يعقب النفخ. وهذه الآية تثبت أصل النفخ في الصور، وهو الحدث الذي وُكل به إسرافيل عليه السلام كما جاءت به السنة. 

ومن خلال هذا النص يتبين أن القرآن قرر حقيقة النفخ بوضوح، وجعلها جزءًا من مشاهد القيامة التي لا تقبل التأويل الرمزي، بل تُؤخذ على ظاهرها اللائق بعظمة الله.

قوله تعالى ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾

أكملت الآية السابقة بيانها بقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾، وهي دليل واضح على النفخة الثانية التي يقع بها البعث. فبعد أن يقع الصعق العام، تأتي نفخة أخرى يعاد بها الخلق إلى الحياة. 

والآية تصور مشهد القيام المفاجئ، حيث يخرج الناس من قبورهم في دهشة وانتظار لما سيقع. وهذا النص يثبت تعدد النفخات، وأنها ليست نفخة واحدة فقط. ومن خلال الجمع بين هذه الآية وما قبلها، يتضح تسلسل الأحداث: صعق ثم بعث. 

والسنة النبوية بيّنت أن الذي ينفخ هو إسرافيل عليه السلام. فبهذا يتكامل الدليل القرآني مع البيان النبوي، ويترسخ في العقيدة أن النفخ في الصور حقيقة ثابتة مرتبطة بأحداث اليوم الآخر.

آيات البعث والنشور

من الآيات الدالة على أثر النفخة الثانية قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾، وهي تصف حال الناس عند خروجهم من القبور. فهذا الاستفهام يعكس دهشتهم من المفاجأة بعد طول مكث. 

كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾، وهي آية تربط بين النفخ والحشر الجماعي. وهذه النصوص تؤكد أن النفخ هو نقطة البداية للحشر والحساب. ومن خلال تكرار هذا المشهد في القرآن، يتبين أن النفخ في الصور ركن أساسي في تصوير القيامة. 

وارتباط هذه الآيات بمهمة إسرافيل عليه السلام – كما جاء في السنة – يجعل دوره ثابتًا بنصوص الوحي، ويؤكد أن الإيمان به مرتبط مباشرة بالإيمان بالبعث والحساب.

تكامل السياق القرآني في تقرير الحدث

عند جمع الآيات التي تتحدث عن النفخ في الصور، نلاحظ أنها تأتي في سياقات متعددة: مرة في سياق التخويف، ومرة في سياق بيان القدرة، ومرة في سياق وصف مشاهد القيامة. وهذا التكرار يدل على أهمية الحدث في البناء العقدي. 

فالقرآن لا يذكر النفخ عرضًا، بل يجعله محطة فاصلة بين مرحلتين من الوجود. ورغم أن اسم إسرافيل لم يُذكر في القرآن صراحة، إلا أن السنة الصحيحة سمّت صاحب الصور، فيتكامل الدليلان معًا. 

فالقرآن يثبت الحدث، والسنة تعيّن المنفذ بأمر الله. وهذا المنهج في الجمع بين النصين هو منهج أهل السنة في فهم العقيدة، حيث تُفسر النصوص بعضها بعضًا، ويُؤخذ بها جميعًا دون تعارض، فيتضح الدور العظيم الذي أُنيط بإسرافيل عليه السلام.

الأدلة من السنة النبوية 

ذكره في دعاء النبي ﷺ

ثبت في صحيح مسلم أن النبي كان إذا قام من الليل قال: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة…». وهذا الحديث دليل صريح على إثبات اسم إسرافيل ومكانته، إذ ذكره النبي في مقام عظيم من مقامات الدعاء والعبادة. 

وذكر هؤلاء الثلاثة تحديدًا يدل على رفعة شأنهم، لأنهم أصحاب المهام الكبرى في الكون. كما أن إفرادهم بالذكر بعد وصف الله بربوبيتهم يعكس عظيم منزلتهم، مع بقاء العبودية الكاملة لهم. وهذا النص من أوضح الأدلة على ثبوت اسمه في السنة الصحيحة، ويؤكد وجوب الإيمان به كما ورد، دون زيادة أو تحريف.

حديث التقم الصور

ورد في الحديث أن صاحب الصور قد التقم الصور، وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر فينفخ. وهذا الحديث – وإن اختلفت ألفاظه – يدل على أن هناك ملكًا معينًا موكلًا بالنفخ، وأنه في حالة استعداد دائم. وقد بيّنت روايات أخرى أن هذا الملك هو إسرافيل عليه السلام. وهذا يفسر الآيات القرآنية التي ذكرت النفخ دون تسمية النافخ. 

فالحديث يحدد المنفذ، ويصف حالته من الترقب والتهيؤ. ومن خلال هذا النص يتبين أن أمر القيامة قريب في علم الله، وأن صاحب الصور مستعد لتنفيذه فور صدور الأمر الإلهي. وهذا يعمّق في النفس معنى المفاجأة المرتقبة لذلك اليوم العظيم.

أحاديث الشفاعة ومشاهد القيامة

في أحاديث الشفاعة الطويلة التي تصف مشاهد يوم القيامة، يُذكر النفخ في الصور باعتباره بداية الأحداث العظام. وهذه الأحاديث تثبت تسلسل الوقائع: نفخ، فبعث، فحشر، فحساب. ومع أن اسم إسرافيل قد لا يرد في كل رواية، إلا أن مجموع الأحاديث يثبت أن صاحب الصور هو إسرافيل. 

وهذا التكامل بين الروايات يرسخ صورته في العقيدة الإسلامية بوصفه المنفذ لأمر الله في أخطر لحظة في تاريخ الخلق. كما أن هذه الأحاديث تجعل مشهد النفخ حيًا في وجدان المؤمن، فيتخيل تغير الكون كله بأمر واحد. 

ومن هنا يتأكد أن الإيمان بإسرافيل عليه السلام ليس مسألة فرعية، بل جزء أصيل من التصديق بأحداث اليوم الآخر كما جاءت في السنة النبوية الصحيحة.

ختاما ندرك أننا أمام ملَكٍ عظيم وهو إسرافيل عليه السلام ارتبط اسمه بأعظم لحظة في تاريخ الوجود: لحظة انتهاء الدنيا وبداية الآخرة. فمهمته في النفخ في الصور تذكّر القلوب بحقيقة الفناء، وتوقظ النفوس من غفلتها، وتعيد ترتيب الأولويات في حياة الإنسان. 

إن الإيمان بإسرافيل ليس مجرد معرفة غيبية، بل هو دعوة دائمة للاستعداد، ومراجعة النفس، والعمل لما بعد الموت. فكما أن النفخة الأولى تطوي صفحة الدنيا، فإن الثانية تفتح صفحة الحساب والجزاء. نسأل الله أن يجعلنا ممن يستعدون لذلك اليوم، ويثبتون عند اللقاء، ويرزقنا حسن الخاتمة، ويجعل إيماننا باليوم الآخر باعثًا على الطاعة والاستقامة.

تعليقات