الغل

 

للغلّ معانٍ عديدة في معاجم اللغة، منها: الحقد العميق، والعداوة والبغضاء. يُقال: الغلّ والحسد يلتهمان الحسنات، كما ورد في قوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ}. ويُقال أيضًا: غلّ فلان، أي خان في المغنم أو أموال الدولة وأخذ الأشياء خفية، وذلك كما جاء في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}. وكذلك يُقال: غلّ في البلاد، أي سافر فيها وتنقل.

الإسلام هو دين السماحة والرحمة، وعلى المسلمين أن يتميزوا بالأخلاق الفاضلة وأن يتجنبوا مشاعر الضغينة والحقد. فالقلب، كأي جزء من الجسم، معرض للمرض ويحتاج إلى العناية والتطهير من كل ما يفسده مثل الغل والحقد والضغائن. بقدر ما نرتقي بأخلاقنا وتعاملاتنا مع الآخرين، ترتقي عقولنا ويزدهر مجتمعنا نحو الأفضل.

فساد القلب لا يقتصر على الشرك فقط، بل يشمل أيضًا أمراض القلوب التي قد تكون سببًا في النار، والعياذ بالله، مثل الرياء! من هذه الأمراض: الغل، والحقد، والضغائن، التي تنشأ غالبًا من الغيرة أو الخصومة بين الناس. وعلى الرغم من وجود العديد من المحاولات للصلح والدعوات للتسامح، إلا أن القليل من الناس يقبل بها بصدق. القلب هو تلك المضغة التي إذا صلحت، صلح سائر الجسد والأعمال، وإذا فسدت، نسأل الله العافية. ليست المشكلة في الكلمات الطيبة التي تُقال، بل في الحلول الجذرية التي تعالج جذور المشكلة، لذا يجب أن نعمل بجد على تصفية القلوب حقًا.

وجوب التسامح وتنقية قلوبنا.

1. الله لا يرضى بأن يحمل المؤمنون الغلّ في قلوبهم لبعضهم البعض، لذا ينقيهم قبل دخولهم الجنة. قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: 43]. فما دامت الجنة هي غاية المؤمنين، هل يبقى للغل والحقد مكان في قلوبهم؟

2. التسامح ونبذ الغلّ من صفات الصالحين وأخلاقهم. قال تعالى عن الصالحين في كتابه الكريم: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]. إنهم يدعون الله أن ينقي قلوبهم من الغلّ، مدركين خطورة هذا المرض القلبي وعواقبه.

3. صفاء النفس والقلب وترك الغلّ من أسباب دخول الجنة. نعم، فهذا الصحابي الجليل بشره الله بالجنة على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لمجرد أنه ينام وليس في قلبه شيء على أحد. ففي الحديث: «كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ليطلعن عليكم رجل من هذا الباب من أهل الجنة، فجاء سعد بن مالك فدخل منه». قال البيهقي: "فذكر الحديث قال: فقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: ما أنا بالذي أنتهي حتى أبايت هذا الرجل، فأنظر عمله". ثم ذكر الحديث في دخوله عليه، فقال: "فناولني عباءة، فاضطجعت عليها قريبا منه، وجعلت أرمقه بعيني ليلة كلما تعار سبح وكبر وهلل، وحمد الله حتى إذا كان في وجه السحر قام فتوضأ، ثم دخل المسجد فصلى ثنتي عشرة ركعة باثنتي عشرة سورة من المفصل، ليس من طواله، ولا من قصاره، يدعو في كل ركعتين بعد التشهد بثلاث دعوات يقول: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، اللهم اكفنا ما أهمنا من أمر آخرتنا ودنيانا، اللهم إنا نسألك من الخير كله، وأعوذ بك من الشر كله". حتى إذا فرغ قال، "فذكر الحديث في استقلاله عمله، وعوده إليه ثلاثا إلى أن قال: فقال: آخذ مضجعي، وليس في قلبي غمر على أحد" (المنذري:4/33 صحيح أو حسن). كلام من لا ينطق عن الهوى.. فهل هناك مجال للتكذيب؟

4- هل نحتاج إلى حقد المسلم على أخيه المسلم؟ إن غل القلوب وحقد النفوس يؤديان إلى نشوب الفجر في الخصام، وانتشار الضغائن، مما يدفع البعض إلى هتك ستر المسلم، وتتبع العورات، ومحاولة تصيد الزلات، وتشويه صورة المسلم والافتراء عليه، والسخرية منه، بل وقد يصل الأمر إلى القتل الذي حرمه الله إلا بالحق! ويشهد على ذلك قصة إخوة يوسف: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} [يوسف: 9]. وأيضاً قصة امرأة العزيز التي افترت عليه بالفاحشة بسبب حقدها: {قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يوسف: 25]. فهذه المعاصي كلها تنبع من النفس الحقودة التي تحصد ثمارها في الدنيا والآخرة.

5- الحاقد يشغل وقته بما لا ينفع ويعيش في ضنك، بل بما يضر. فهو دائم الانشغال بمراقبة من يحقد عليه، فلا ينعم براحة البال، ويضيع وقته في غير طاعة الله ومرضاته. وما لا يدركه هو أنه لن ينال ممن يحمل له الحقد شيئًا إلا بإذن الله، وأن ناره تأكله وحده. حتى لو زالت النعمة بسبب حسده، فإن ذلك يضاف إلى ميزان سيئاته. في خصومته، تأكله نيرانه، وربما لا يشعر الآخر بها على الإطلاق! إنه تعيس في الدنيا والآخرة، ولا ننسى أن حقد الشيطان على آدم عليه السلام كان السبب في طرده من الجنة.

6ا- لحقد والغل هما من أسباب التفرقة والهوان بين المسلمين. فالحقد يولّد التنافر، مما يؤدي إلى التحاشي والتفرقة، وهذا لا يليق بالمؤمنين الذين يدعوهم دينهم إلى الأخوة في الإسلام. لقد أمر الله المسلمين بإصلاح ذات البين بين الطوائف المتخاصمة، لأن الحقد بين المسلمين يؤدي إلى الفرقة والهوان، وشماتة الأعداء. قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9].

لو أننا استخدمنا هذه الطاقات المكبوتة من الحقد والغل في مواجهة أعداء الدين، لانتصرنا عليهم، وما كان هذا حالنا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد. إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى} (مسلم: 2586). فأين الحاقد من هذا الحديث؟ فلنوجه هذه الأحقاد والضغائن نحو أعداء الله، ونترك بيننا روح الأخوة والمحبة في الله.

7- التسامح من خصال الأنبياء والأتقياء: يا من تحمل حقدًا تجاه أخيك بسبب خلاف، ألا تدرك أن التسامح من خصال الأنبياء؟ إنه من أرقى الأخلاق، فلماذا لا تسامح وتترك أمرك لله؟ طهّر قلبك وروحك، سترتفع منزلتك عند ربك، واسعى في ذلك لأجل آخرتك دون انتظار الجزاء في الدنيا. تأمل في نبي الله يوسف عليه السلام، الذي عفا عن كل من أساء إليه، بدءًا من إخوته الذين كادوا له، مرورًا بامرأة العزيز التي افترت عليه، وكذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، الذي عفا عن أهل مكة رغم ما تعرض له من أذى على أيديهم، فدخل يوم الفتح متواضعًا، نقي النفس، شاكراً لربه فضله عليه، وناسياً كل الأذى الذي تعرض له من الكفار رغم قوته ونصره في ذلك اليوم!

الغل خصلة مدمومة بالنصوص والأحاديث 

وكما جاء في الآيات الكريمة: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصّلت:34-36]، فهذه الآيات مترابطة، تشجع على الرد بالحسنى وتبين أن هذه منزلة رفيعة لا ينالها إلا الصابرون، وإذا حاول الشيطان أن يزيغك عن هذا المسار، فاستعذ بالله منه.

لقد دعانا الله تعالى في كتابه الكريم، ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في سنته العطرة، إلى التسامح وتطهير قلوبنا من الغل والحقد. فالله سبحانه وتعالى لا يرضى بأن يحمل المؤمنون الضغائن بعضهم لبعض، فقال عز وجل: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف:43]. كما أن التسامح وترك الغل من شيم الصالحين ودعواتهم، حيث قال تعالى على لسانهم: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:10].

فإن صفاء الصدر من الغل هو الطريق إلى الجنة، فقد وصف الله تعالى أهل الجنة بأنهم مبرؤون من كل حقد وغل، وإن أصابهم شيء منه في الدنيا، فإنهم يطهرون منه عند دخولهم الجنة. الإسلام يحرص على تأليف القلوب وإضفاء روح المحبة والتآخي والاجتماع، وعلى إصلاح ذات البين، كما يحرص على حماية صرح الأخوّة. فقد قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: "لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ههنا" ويشير إلى صدره ثلاث مرات - "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه" (رواه مسلم).

لذلك، يدعو المسلم والمسلمة بكل ما ينفعهما في ذلك، فيقولان: "اللهم طهر قلبي من كل خلق لا يرضيك، اللهم طهر قلبي من الغل والحقد والحسد والكبر، اللهم طهر قلبي من كل سوء، من كل أذى، من كل داء". هذه كلمات طيبة، فإذا دعا المسلم أو المسلمة بمثل هذا الدعاء فهو طيب، يجمع بين المعاني السامية. فيقولان: "اللهم طهر قلبي من كل سوء، اللهم طهر قلبي من كل ما يغضبك، اللهم طهر قلبي من كل غل وحقد وحسد وكبر". ويضيفان: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك، اللهم أصلح قلبي وعملي، اللهم طهر قلبي وجوارحي من كل سوء، ومن كل ما يغضبك".

تعليقات