الغيبة

 

الغيبة: مفهومها وآثارها في المجتمع

في العديد من المجتمعات، أصبحت الغيبة ظاهرة شائعة تُمارس بشكل يومي، حيث يُطلق الناس ألسنتهم في أعراض بعضهم البعض، فيتحدثون عن الآخرين في غيابهم بما يكرهون سماعه. هذه الممارسة ليست مجرد خطأ أخلاقي فحسب، بل إنها جريمة اجتماعية تهدم أسس المجتمع وتقوض القيم الإنسانية. عندما يغتاب الشخص غيره، فإنه لا ينتهك فقط حرمة الأفراد بل يُسهم في نشر الكراهية والبغضاء بين الناس، مما يؤدي إلى قطع الروابط الاجتماعية وزعزعة استقرار المجتمع بأكمله. الغيبة تفتح أبواب الفتن وتنشر سوء الظن، وتجعل الأصدقاء أعداء، وتبث السموم في علاقات الأخوة والصداقة، فتتحول العلاقات الاجتماعية إلى ميدان للشحناء والفُرقة.

دوافع الغيبة وآثارها الاجتماعية

تتعدد دوافع الغيبة بين الأفراد، فمنها الحسد والغيرة والرغبة في الانتقام أو حتى الشعور بالتفوق على الآخرين. هؤلاء الأشخاص يسعون لإظهار عيوب غيرهم والتقليل من شأنهم لتعزيز مكانتهم الشخصية. ولكن هذه الدوافع الذاتية تؤدي إلى آثار اجتماعية كارثية. فعندما ينتشر هذا السلوك بين الناس، يتزعزع بناء المجتمع وتتحطم الأواصر الاجتماعية. الناس يبدأون بفقدان الثقة في بعضهم البعض، ويصبح كل فرد يشك في نوايا الآخرين. هذا يؤدي إلى بيئة مشحونة بالعداوة والكراهية، حيث يسود الحذر والترقب بدلًا من التعاون والمحبة. المجتمع الذي تنتشر فيه الغيبة يكون مجتمعًا هشًا، غير قادر على مواجهة التحديات أو تحقيق التقدم، لأن أفراده منشغلون بتدمير بعضهم البعض بدلًا من البناء والعمل الجماعي.

كيفية مواجهة الغيبة والتخلص منها

لمواجهة هذه الآفة، يجب على الأفراد والمجتمع ككل أن يتخذوا خطوات جدية للتصدي للغيبة. أولًا، يجب على كل فرد أن يدرك خطورة هذا السلوك وآثاره السلبية على النفس والمجتمع. الوعي والتثقيف حول حرمة الغيبة وأضرارها يمكن أن يكون بداية للتغيير. ثانيًا، يجب تعزيز القيم الأخلاقية والدينية التي تحث على حفظ اللسان واحترام الآخرين، وذلك من خلال التربية الأسرية والتعليم والمواعظ الدينية. ثالثًا، على المجتمع أن يشجع على المحاسبة الذاتية والتوبة. عندما يدرك الشخص أنه أخطأ في حق أحدهم بالغيبة، يجب عليه السعي للتكفير عن هذا الخطأ من خلال الاعتذار وإصلاح العلاقة. أخيرًا، يجب أن نكون قدوة حسنة، فالقدوة العملية لها تأثير كبير. إذا رأى الناس أن الشخصيات المرموقة في المجتمع تتجنب الغيبة وتحافظ على احترام الآخرين، فإنهم سيتبعون هذه السلوكيات الإيجابية.

الغيبة ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي أفعال تترك آثارًا عميقة في نسيج المجتمع. لذلك، يجب أن نكون واعين بمخاطرها وأن نسعى جاهدين لتطهير ألسنتنا ومجتمعاتنا من هذا السلوك المدمر. تحقيق هذا الهدف يتطلب جهودًا مشتركة من جميع أفراد المجتمع، بدءًا من التربية الصحيحة وصولًا إلى تعزيز القيم الأخلاقية والدينية في كل جوانب الحياة.

الغيبة: مفهومها من منظور النبي وأثرها في الشريعة الإسلامية

الغيبة، كما عرفها النبي صلى الله عليه وسلم، هي أن تذكر أخاك بما يكرهه في غيابه. ففي حديث رواه مسلم، سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه: "أَتَدْرُونَ ما الْغِيبَةُ؟"، فأجابوا: "اللهُ ورسُولُهُ أَعْلَمُ"، فقال: "ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ". وعندما سألوا: "أَفَرَأَيْتَ إنْ كَانَ في أَخِي ما أَقُولُ؟"، رد النبي: "إنْ كَانَ فيهِ ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ". هذا التعريف النبوي يوضح أن الغيبة ليست فقط قول الحقيقة عن شخص في غيابه، بل تصبح أشد سوءًا عندما تكون افتراءً. الإمام الغزالي أكد هذا المفهوم قائلاً: "حَدَّ الغِيبَةِ أنْ تَذْكُرَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُهُ لَوْ بَلَغَهُ"، سواء كان ذلك يتعلق ببدنه، أو نسبه، أو خلقه، أو فعله، أو قوله، أو حتى في أمور دنياه البسيطة مثل ثوبه وداره.

حكم الغيبة في الإسلام

تعد الغيبة من كبائر الذنوب في الإسلام، ومحرمة بالإجماع. القرآن الكريم يشدد على خطورة هذا الفعل، حيث يقول الله تعالى في سورة الحجرات: "وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ". هذا التشبيه القرآني يُبرز بشاعة الغيبة، بجعلها مماثلة لأكل لحم الميت، وهو مشهد ينفر منه الإنسان بطبيعته. بالإضافة إلى ذلك، يحذر الله تعالى في سورة القلم من اتباع كل "حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ"، مما يشير إلى أن الغيبة والنميمة من صفات الأشخاص غير الجديرين بالثقة. وعلق الشوكاني على هذه الآية بأن "الْهَمَّازُ الْمُغْتَابُ لِلنَّاسِ"، مما يزيد من التأكيد على أن الغيبة والنميمة من الأمور التي تتنافى مع الأخلاق الإسلامية السامية.

الآثار السلبية للغيبة على الفرد والمجتمع

الغيبة ليست مجرد ذنب فردي يؤثر على فاعله فحسب، بل هي آفة اجتماعية تترك آثارًا سلبية عميقة على المجتمع ككل. عندما يتعود الأفراد على الغيبة، فإنهم يساهمون في نشر الكراهية والبغضاء بين الناس. هذا يؤدي إلى تدمير الثقة بين أفراد المجتمع، مما يُفسد العلاقات الإنسانية ويزرع الفُرقة والشحناء. كما أن الغيبة تُفقد الإنسان مكانته واحترامه بين الناس، حيث يُعرف بأنه شخص يتحدث عن الآخرين بسوء، مما يُضعف من قدرته على بناء علاقات صادقة ومثمرة. لذلك، فإن مكافحة الغيبة تبدأ من الوعي الشخصي بضررها، والالتزام بتعاليم الإسلام التي تحث على حفظ اللسان وصون الأعراض، والعمل على نشر المحبة والتعاون بين أفراد المجتمع.

جاء في إثر خطبة حجة الوداع

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإنَّ دِمَاءَكُمْ ‌وأَمْوَالَكُمْ ‌وأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذا، في شَهْرِكُمْ هذا"؛ وهذه الكلمات البليغة التي وردت في حديث متفق عليه، تُجسد المكانة العظيمة التي يوليها الإسلام لحرمة الدماء والأموال والأعراض بين المسلمين. فكما أن مكة بلد حرام، وكما أن الأشهر الحرم محظورة على القتال وسفك الدماء، كذلك هي حرمة الإنسان المسلم وأمواله وأعراضه. وقد أكد الإمام ابن المنذر هذا المعنى بقوله: "قَدْ حَرَّمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ الْغِيبَةَ ‌مُوَدِّعًا ‌بذلكَ ‌أُمَّتَهُ، وقَرَنَ تَحْرِيمَها إلى تَحْرِيمِ الدِّماءِ والأَمْوَالِ، ثُمَّ زَادَ تَحْرِيمُ ذلكَ تَأْكِيدًا بإعْلامِهِ بأنَّ تَحْرِيمَ ذلكَ كَحُرْمَةِ الْبَلَدِ الْحَرَامِ في الشَّهْرِ الْحَرَامِ".

هذا التوضيح النبوي يبين بجلاء أن الأعراض لا تقل حرمة عن الدماء والأموال. فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع من الاستهانة بأعراض الناس أو التعدي عليهم بأي شكل كان، واعتبر ذلك معصية عظيمة. في رواية أخرى، أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: "بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، ‌كُلُّ ‌الْمُسْلِمِ ‌عَلَى ‌الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، ومَالُهُ، وعِرْضُهُ"؛ هذه الرواية التي وردت في صحيح مسلم تضع معيارًا أخلاقيًا عاليًا للعلاقات بين المسلمين، حيث يشدد فيها النبي على حرمة التعدي بأي شكل كان على المسلم الآخر، سواء كان ذلك بإراقة دمه، أو الاستيلاء على ماله، أو انتهاك عرضه.

تأصيل هذه المفاهيم يعزز الفهم العميق لضرورة احترام حقوق الآخرين وصيانة كرامتهم. إن الأحاديث النبوية تشير بوضوح إلى أن الغيبة ليست مجرد خطأ اجتماعي، بل هي انتهاك صريح لحرمة المسلم، وتعادل في جرمها انتهاك حرمة الدماء والأموال. هذه التعاليم النبوية جاءت لتكون أساسًا في بناء مجتمع مسلم متماسك، يعم فيه الاحترام المتبادل، ويزول فيه الغل والحقد. لذا، فإن التحذير من الغيبة والنميمة، وربطها بتلك القيم العليا، يجسد مدى حرص الإسلام على تحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز الروابط الأخوية بين المسلمين.

الغيبة من شِعَارِ المنافقين

وقد قالَ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "‌يا ‌مَعْشَرَ ‌مَنْ ‌آمَنَ ‌بلِسَانِهِ ولَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ، لا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، ولا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فإنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عورتاهم يَتَّبعُ اللهُ عَوْرَتَهُ، ومَنْ يَتَّبعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ في بَيْتِهِ"؛ هذا الحديث الذي رواه أبو داود وجوَّد إسناده العراقيُّ يوضح لنا خطورة الغيبة وارتباطها بالمنافقين الذين يُظهرون الإيمان بألسنتهم بينما قلوبهم خالية منه. يبيّن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن من يتعقب عورات الناس، فإن الله يتعقب عورته ويفضحه حتى في بيته، مما يوضح الجزاء الذي ينتظر المغتابين في الدنيا قبل الآخرة.

عقوبة المغتابين في الاخرة

أما في يوم القيامة، فإن سوء عاقبة المغتابين يصبح واضحاً، كما قال صلى الله عليه وسلم: "لَمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بقَوْمٍ ‌لَهُمْ ‌أَظْفَارٌ ‌مِنْ ‌نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ الذينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ ويَقَعُونَ في أَعْرَاضِهِمْ"؛ هذا الحديث الذي رواه أبو داود وصححه ابن مُفلح يصور لنا مشهداً رهيباً لعذاب المغتابين، حيث يُعذبون بأظفار من نحاس تخمش وجوههم وصدورهم، ويجسد ذلك العذاب ما ارتكبوه من أذى بغيبتهم للناس.

الْمُغتاب يُعذَّب في قبره أيضًا، كما ورد عن أبي بَكْرَةَ قالَ: "مَرَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بقَبْرَيْنِ فقالَ: "إنَّهُمَا َيُعَذَّبَانِ، وما يُعَذَّبَانِ في كَبيرٍ، أمَّا أَحَدُهُمَا ‌فَيُعَذَّبُ ‌في ‌الْبَوْلِ، وأمَّا الآخَرُ فَيُعَذَّبُ في الْغِيبَةِ""؛ هذا الحديث الذي رواه ابن ماجه وصحَّحه الألباني يُبيّن لنا أن الغيبة ليست ذنبًا يُعاقب عليه في الآخرة فقط، بل يبدأ عذابها في القبر، حيث يعاني المغتاب من عذاب متواصل بسبب ما اقترفه لسانه من أذى بحق الآخرين.

الْمُغتابُون لَهُم رِيحٌ خَبيثةٌ مُنتنة، فقد قال جابر بن عبدالله: "كُنَّا معَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وارْتَفَعَتْ رِيحٌ خَبيثَةٌ مُنْتِنَةٌ، فقالَ: "أَتَدْرُونَ ما هذهِ؟ هذهِ رِيحُ الذينَ يَغْتَابُونَ الْمُؤْمِنِينَ""؛ هذا الحديث الذي رواه البخاري في الأدب المفرد وحسَّنه ابن حجر يعكس لنا التأثير البشع للغيبة، حيث تكون رائحتهم في الدنيا خبيثة ومنفرة بسبب ما يخرج من أفواههم من غيبة وبهتان.

وفي حديث آخر، تؤكد عائشة رضي الله عنها أن الكلمة الواحدة من الغيبة لو خالطت ماء البحر لأنتنته وأفسدته، حيث قالت: "يا رسولَ اللهِ، إنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ، وقالتْ بيَدِهَا هكَذَا كأَنَّها تَعْني ‌قَصِيرَةً، فقالَ: "لَقَدْ مَزَجْتِ بكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بهَا ماءَ البَحْرِ لَمُزِجَ""؛ هذا الحديث الذي رواه الترمذي وصحَّحه، وقال النوويُّ مُعلِّقًا عليه: "وهذا الحديثُ مِن أعظمِ الزواجر عَن الغيبةِ أو أعظمها، وما أعلَمُ شيئًا مِن الأحاديثِ ‌يبلَغُ ‌في ‌الذمِّ ‌لَها هذا الْمَبْلَغ"، يُظهر لنا كيف أن كلمة واحدة قد تكون سببًا في فساد عظيم، مما يدعونا للحذر والتروي في حديثنا عن الآخرين.

الغيبة تنبع من دوافع متعددة تعكس ضعف الإيمان وانحراف السلوك، منها الحسد، حيث يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: "ومنهُم ‌مَن ‌يَحْمِلُهُ ‌الحَسَدُ ‌على ‌الغِيبَةِ، فيَجْمَعُ بينَ أمْرَيْنِ قَبيحَيْنِ: الغِيبَةِ والحَسَدِ". الحسد يقود الشخص إلى التحدث بسوء عن الآخرين رغبة في التقليل من شأنهم والتفوق عليهم. ومن الدوافع الأخرى موافقة الجلساء، حيث يميل البعض إلى الغيبة لمجرد إرضاء من حولهم ومواكبة أقرانهم في الحديث السلبي. الإمام ابن تيمية أشار أيضًا إلى هذا السلوك بقوله: "فَمِنَ الناسِ ‌مَنْ ‌يَغْتَابُ ‌مُوَافَقَةً لجُلَسَائِهِ وأصحابهِ وعَشَائِرِهِ".

بالإضافة إلى ذلك، هناك دوافع أخرى مثل الرغبة في الانتقام والتشفِّي، حيث يستخدم الشخص الغيبة كوسيلة لتفريغ غضبه والانتقام ممن أساء إليه. حب المباهاة وتزكية النفس يعد أيضًا دافعًا رئيسيًا، حيث يسعى المغتاب إلى إبراز نفسه والتفوق على الآخرين من خلال التقليل من شأنهم. السخرية والاستهزاء وسوء الظن تضيف إلى قائمة الدوافع، مما يؤدي إلى تدمير العلاقات وتشويه سمعة الأفراد. كل هذه الدوافع تشير إلى نقص في التقوى والوعي بأثر الغيبة على النفس والمجتمع.

جناية الغيبة على حق الله

الغيبة تُعد من كبائر الذنوب لما تسببه من جناية على حق الله تعالى وتعدٍ على حدود الآخرين. المغتاب يتسبب في محق حسناته، فهي من المعاصي التي تفسد الدين وتشترك فيها الأطراف المشاركة سواء كانوا المغتابين أو المستمعين الراضين بها. الغيبة تؤدي إلى الاستهانة بالذنب، ما يؤدي إلى التمادي فيها والانتقال إلى معاصي أخرى مثل النميمة والكذب. بالإضافة إلى ذلك، تزرع الغيبة بذور العداوة والبغضاء بين الناس، مسببة القطيعة والتفكك الاجتماعي، مما يعطل الوحدة ويشوه العلاقات الإنسانية.

الغيبة في العصر الحديث

في العصر الحالي، انتشرت صور معاصرة للغيبة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي مثل واتساب، تويتر، وفيسبوك. يتجلى ذلك في المحادثات الإلكترونية حيث يتم تداول الأحاديث المسيئة عن الآخرين. كذلك، متابعة التغريدات أو مقاطع الفيديو التي تنتهك حرمة الآخرين دون سبب شرعي تُعد شكلاً من أشكال الاستماع للغيبة. هذه الممارسات ليست فقط محرمة شرعًا، بل يجب على كل مسلم إنكارها والعمل على حذف هذه المحتويات وعدم التفاعل معها. الإسلام يحرص على الحفاظ على أعراض المسلمين ويدعو للبعد عن كل ما يسيء إلى الآخرين.

إنكار الغيبة والجزاء العظيم

تحريم الغيبة ثابت في القرآن والسنة وإجماع المسلمين، فهي منكر عظيم يجب على المسلمين إنكاره. جاء في الحديث الشريف: "‌مَنْ ‌رَدَّ ‌عنْ ‌عِرْضِ أَخِيهِ، رَدَّ اللهُ عنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ القيامَةِ". كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ ذَبَّ ‌عَنْ ‌لَحْمِ ‌أَخِيهِ بالغِيبَةِ، كانَ حَقًّا على اللهِ أنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ". وهذه الأحاديث تبرز الفضل العظيم لمن يحمي أعراض المسلمين وينكر الغيبة. وسائل إنكار الغيبة تشمل التذكير بحكمها وبيان حرمتها، الإعراض عن المغتاب وهجره، والإنكار بالقلب إذا لم يتمكن الشخص من الإنكار باللسان أو بترك المجلس إذا استمر الحديث بالغيبة. بهذه الوسائل، يتحقق الأثر الإيجابي في المجتمع وتُحمى الأعراض، ويُؤدي واجب إنكار المنكر وفق تعاليم الإسلام.

كفارة الغيبة: الاستغفار والتحلّل

تُعَدُّ الغيبة من كبائر الذنوب، ويرى بعض العلماء أن كفارتها تكون بالاستغفار لمن اغتبته. يستند هذا الرأي إلى حديث منسوب للنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "كَفَّارَةُ ‌مَنِ ‌اغْتَبْتَ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ"، والذي رواه ابن أبي الدنيا. إلا أن هذا الحديث حُكم عليه من قِبَل كبار النقاد مثل ابن الجوزي والألباني بأنه موضوع، وحكم عليه بعضهم بالضعف كالبيهقي والعراقي. هذا الحديث يتعارض مع الأحاديث الصحيحة التي تؤكد على ضرورة التحلّل من حقوق الناس. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "‌مَنْ ‌كانتْ ‌عِنْدَهُ ‌مَظْلَمَةٌ لأخيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ منها، فإنهُ ليسَ ثَمَّ دينارٌ ولا دِرْهَمٌ، مِنْ قبلِ أنْ يُؤْخَذَ لأخيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فإنْ لمْ يَكُنْ لهُ حَسَنَاتٌ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أخيهِ فَطُرِحَتْ عليهِ". ويأتي في الحديث الآخر: "أَتَدْرُونَ ما ‌الْمُفْلِسُ؟"، يجيب الرسول صلى الله عليه وسلم بأن المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات ولكنه قد ظلم الناس فيأخذون من حسناته حتى تُستنفذ كلها وتوضع عليه من سيئاتهم فيطرح في النار.

أهمية التحلّل في الدنيا

بناءً على هذه النصوص، فإن التحلّل في الدنيا من حقوق من اغتبناهم هو الأساس في التكفير عن هذه المعصية. إذا لم تستطع التحلّل من الشخص الذي اغتبته بسبب خوفك من القطيعة أو الهجر أو لكونه قد مات أو أنك لا تعرف مكانه، فعليك بالتوبة النصوح والإكثار من الأعمال الصالحة والعبادة. التوبة تشمل الاستغفار والندم على ما فعلت، والعزم على عدم العودة للغيبة. بالإضافة إلى ذلك، اجتهد في الطاعات عمومًا وفي الأذكار خصوصًا، لعل هذه الأعمال تكفر عنك يوم القيامة إذا لم تتغمدك رحمة الله. ينبغي أن تحرص على أن تكون لك حسنات باقية تجنّبك العذاب وتكون سببًا في النجاة بعد رحمة الله وفضله.

الابتعاد عن الغيبة وحفظ اللسان

حفظ اللسان من الوقوع في الغيبة والنميمة، فالندم لا ينفع بعد فوات الأوان، والاعتذار لا يُسمع بعد الموت. جعلنا الله وإياكم ممن يحفظون ألسنتهم عن تتبع عورات المسلمين وأعراضهم. الغيبة تزرع الفتنة والبغضاء بين الناس، وتؤدي إلى التشتت والتفرقة. لذا، من المهم أن تتعلموا ضبط ألسنتكم، والإعراض عن مجالس الغيبة، وتذكير الآخرين بحرمة هذا الفعل. قال تعالى: "وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ". فعلى المسلم أن يحرص على سلامة قلبه ونقاء سريرته، وأن يبتعد عن كل ما يُفسد عليه دينه وعلاقته بإخوانه. الاستغفار والتوبة الصادقة هما السبيل للنجاة، والله هو أرحم الراحمين.

  

 

تعليقات