الغيظ

 

إن الغيظ يُعد أصل الغضب، وغالبًا ما يترافقان، فهو رد فعل إنساني تلقائي ينشأ في النفس البشرية نتيجة أسباب متنوعة تختلف بين الأفراد والمواقف والعوامل. الشعور بالظلم أو الاستبداد أو عدم التقدير أو التحقير من أبرز الأسباب التي قد تؤدي إلى ظهور الغيظ في النفس، وهو بذلك حالة ذاتية أكثر منها موضوعية. خلال شهر رمضان، تظهر هذه الظاهرة بوضوح، ولهذا السبب أولى الإسلام اهتمامًا كبيرًا بمعالجة الغيظ من داخل النفس قبل التصدي لأسبابه الخارجية.

وقد جاءت العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدعو المسلمين إلى التحلي بصفة كظم الغيظ والعفو عن الناس. ونستشهد هنا بالآية الكريمة: "وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ". (آل عمران: 133-134).

من هم الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس؟

الكاظمون الغيظ والعافون عن الناس هم المؤمنون المتقون الذين يتميزون بضبط النفس والتحكم في انفعالاتهم، خاصة عندما يواجهون الظلم والتعسف. يتسم هؤلاء بالصبر والاحتساب، ويكظمون غيظهم ولا يردون الإساءة بالإساءة، بل يترفعون عن ذلك ويتركون أمرهم لله، ملتزمين بتعاليم الإسلام السمحة التي تحث على الصفح والعفو عند المقدرة.

تأثير كظم الغيظ على صحة القلب

أثبتت الدراسات العلمية أن كظم الغيظ لفترات طويلة يمكن أن يؤدي إلى الإصابة بأمراض القلب. عندما يتعرض الإنسان للظلم ويكتم غضبه دون التنفيس عنه، يحدث توتر فسيولوجي داخل الجسم. هذا التوتر المستمر يرفع ضغط الدم ويؤدي إلى تضرر الأوعية الدموية، مما يزيد من خطر الإصابة بالأزمات القلبية والأمراض القلبية المزمنة.

العفو: درجة تسامح أعلى من كظم الغيظ

يمثل العفو درجة تسامح أعلى من كظم الغيظ. فالكاظميون للغيظ يكفون شرهم عن المسيئين دون التصرف بناءً على غضبهم، محتسبين الأجر عند الله، ومع ذلك قد يحتفظون بمشاعر الكره والبغضاء في قلوبهم. أما العافون عن الناس، فهم يكفون شرهم ولا يتصرفون بناءً على غضبهم، بالإضافة إلى أنهم يغسلون قلوبهم من الحقد والبغضاء، ولا يكنون كراهية حتى لمن أساء إليهم.

الفرق بين العفو والصفح

الصفح يمثل أعلى درجات التسامح ويتجاوز العفو. فالعفو هو التجاوز عن الإساءة وعدم معاقبة المسيء، مع إمكانية وجود غصة في النفس تجاهه. أما الصفح، فهو عدم مؤاخذة المسيء والتجاوز عن إساءته تماماً، مع كظم الغضب وغسل القلب من أي حقد أو كراهية، بحيث لا يبقى في النفس أي شعور بالمرارة تجاهه. العفو هو عدم المؤاخذة بالخطأ، بينما الصفح هو الإعراض التام عن الخطأ وكأنه لم يحدث.

المحسنون في مراتب التربية

الله سبحانه وتعالى يحب الذين يرتقون في مراتب التربية من كظم الغيظ إلى العفو عن الناس، ويصفهم بالمحسنين. هؤلاء هم الذين يعكسون أخلاق الإسلام الرفيعة في تعاملاتهم اليومية، ويتصفون بمقام جليل يعكس تقواهم وإيمانهم العميق.

فوائد كظم الغيظ والعفو

من يتصف بهذه الأخلاق السامية هو أول المستفيدين. قال بعض الحكماء: "احْتِمَالُ السَّفِيهِ خَيْرٌ مِنْ التَّحَلِّي بِصُورَتِهِ وَالْإِغْضَاءُ عَنْ الْجَاهِلِ خَيْرٌ مِنْ مُشَاكَلَتِه". هذه الحكمة تبرز الفائدة الكبرى لكاظم الغيظ والعافي عن الناس، حيث يحفظ الإنسان كرامته ويترفع عن الرد بالمثل، مما يعزز شخصيته ويحافظ على نقاء روحه.

الكاظمون الغيظ والعافون عن الناس يمثلون نموذجاً راقياً في الأخلاق الإسلامية. إنهم يضبطون أنفسهم عند الغضب، يعفون عمن أساء إليهم، ويترفعون عن الانتقام، مما يجعلهم محسنين في نظر الله والمجتمع. هذه الأخلاق السامية ليست فقط لصالح الآخرين، بل تعود بالنفع على الشخص ذاته، حيث تحقق له السلام الداخلي وتجنب الوقوع في مستنقع الحقد والكراهية.

كيف يمكن كظم الغيظ؟ إن لكظم الغيظ فوائد جمة، ولهذا فقد وجه الله سبحانه وتعالى عباده إلى التحلي بهذه الفضيلة الرفيعة، وقد جاءت السنة النبوية الشريفة بتوجيهات تعين على التحلي بهذه الصفة، منها:

  • الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: فعن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: "كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم، ورجلان يستبان، وأحدهما قد احمر وجهه وانتفخت أوداجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لذهب عنه ما يجد)".
  • الوضوء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ".
  • التزام الصمت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا غضب أحدكم فليسكت".
  • تغيير الوضعية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع".
  • معرفة الرتبة العالية لمن يملك نفسه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
  1. الإيمان بالقدر: يجب أن يعلم الإنسان أن ما أصابه هو قدره، وما كتبه الله له لا يمكن أن يخطئه.
  1. التفكير في عاقبة الصبر: أن يدرك الإنسان عظمة الجزاء والثواب الذي أعده الله للصابرين.
  1. مقابلة الإساءة بالإحسان: أن يتعامل الإنسان مع من أساء إليه بالإحسان، ويرى في ذلك فرصة للتقرب إلى الله.
  1. سلامة الصدر: عدم الانشغال بالحقد والغل، والتركيز على الأمور الأهم.
  1. الاستفادة من الأذى: الاعتقاد بأن الله يكفر بهذا الأذى عن الخطايا والذنوب.
  1. الاقتداء بالأنبياء والصالحين: جعل الأنبياء والمرسلين قدوة، فقد كانوا أكثر من تعرض للأذى وكانوا صابرين محتسبين.
  1. حفظ المعروف السابق: تذكر المعروف السابق من الذي تسبب بالأذى، والصبر على أذاه.
  1. علامة قوة الإيمان: الصبر على الأذى علامة من علامات قوة الإيمان، كما قال الله تعالى: "وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ".
  1. حديث كظم الغيظ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن كَظَمَ غيظًا وهو قادرٌ على أن يَنْفِذَه دعاه اللهُ عزَّ وجلَّ على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ حتى يُخَيِّرُه اللهُ مِن الحُورِ ما شاءَ". هذا الحديث يشير إلى الثواب العظيم لمن كظم غيظه.
  1. حديث الصرعة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَما تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟ قالَ قُلْنا: الذي لا يَصْرَعُهُ الرِّجالُ، قالَ: ليسَ بذلكَ، ولَكِنَّهُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ". في هذا الحديث، يوضح النبي صلى الله عليه وسلم أن القوة الحقيقية هي في السيطرة على النفس عند الغضب، وليس في التغلب الجسدي على الآخرين.

الصبر على الأذى وكظم الغيظ

إن أخلاق المرء وصفاته تظهر بوضوح عندما يتمكن منه الغضب. في لحظات الغضب، تتلاشى الكثير من الآداب السلوكية والقولية، وقد يصدر عن الإنسان أبشع الشتائم والألفاظ، وربما يصل الأمر إلى الأذى الشديد. كان الغضب شديداً في البيئة البدوية، حيث كانت تقوم الحروب بين القبائل لأسباب بسيطة كان من الممكن تداركها وحلها بسهولة.

كيفية تحقيق الصبر على الأذى وكظم الغيظ

يتحقق الصبر على الأذى وكظم الغيظ باتباع عدة أمور، منها:

أحاديث عن الصبر على الأذى وكظم الغيظ

وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة عن الغضب وكتم الغيظ، منها:

الحور العين جائزة الكاظمين الغيظ

كَظم الغيظ له عاقبة كريمة. فعلينا أن نكظم الغيظ مهما كانت الإساءة، ومهما توفرت أسباب الرد عليها، بل علينا أن نتحلى بالسماحة والعفو؛ طلبًا لعفو الله الكريم، وطمعًا في ثواب الله العظيم. كظم الغيظ عبادة رفيعة الشأن، تتطلب قهر النفس لوجه الله تعالى، قال الله سبحانه: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133-134].

وصف الذين يسارعون إلى مغفرة الله

في هذه الآية الكريمة، يُبيِّن الله وصف الذين يسارعون إلى مغفرته ونعيم جنته. هؤلاء هم الذين ينفقون في السراء والضراء، وقد جعلوا الإنفاق نهجًا في حياتهم، لا يمنعهم أي عارض دنيوي من ذلك. كما أنهم يكظمون الغيظ؛ أي أنهم يُؤْثرون مرضاة الله تعالى على انتصارهم لأنفسهم، فيكبحون جماح النفس التي تأمر بالانتقام. هؤلاء أيضًا هم الذين يعفون عن الناس؛ وهم أصحاب المنزلة الكريمة التي يدركها المخلصون، حيث يتطلب العفو عزيمة قوية لجعل سماحة النفس تعلو على تذكر إساءة الغير.

قال الإمام السعدي رحمه الله: "يدخل في العفو عن الناس، العفو عن كل من أساء إليك بقول أو فعل. والعفو أبلغ من الكظم؛ لأن العفو يعني ترك المؤاخذة مع السماحة عن المسيء. وهذا إنما يكون ممن تحلى بالأخلاق الجميلة، وتخلى عن الأخلاق الرذيلة، ومن تاجر مع الله، وعفا عن عباد الله؛ رحمة بهم، وإحسانًا إليهم، وكراهة لحصول الشر عليهم، وليعفو الله تعالى عنه، ويكون أجره على ربه الكريم، لا على العبد الفقير؛ كما قال الله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40]" (تفسير السعدي).

كظم الغيظ في ظل السنة النبوية

وورد في السنة النبوية أن كظم الغيظ مع القدرة على إنفاذه سببٌ للحصول على الحور العين؛ فعن معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن كَظم غيظًا، وهو يستطيع أن ينفذه، دعاه الله يومَ القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يُخيِّره في أيِّ الحور شاء» (الترمذي والألباني). لذا فكَظم الغيظ له عاقبة كريمة، وعلينا أن نكظم الغيظ مهما كانت الإساءة، ومهما توافرت أسباب الرد عليها، بل علينا أن نتحلى بالسماحة والعفو؛ طلبًا لعفو الله الكريم، وطمعًا في ثواب الله العظيم. فكل البشرى والفلاح في الدنيا والقبر والآخرة لمن كان من الكاظمين للغيظ، وتحلى بصفات المحسنين.

كظم الغيظ: سمة الأنبياء والأولياء

كظم الغيظ والعفو والإحسان إلى خلق الله صفات متلازمات اتصف بها الأنبياء والأولياء، حيث صبروا على الأذى وقابلوا السوء بالإحسان وترفعوا عن الغضب والانتقام. هذه الأخلاق الحميدة تجعلنا اليوم نقف عندها لنحييها في نفوسنا حتى تكون حاضرة بقوة في مجتمعاتنا الإسلامية.

قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوصني، قال: لا تغضب، فردد عليه مرارًا، قال: لا تغضب". وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". هنا يُعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الشدة والقوة تتمثل في امتلاك النفس عند الغضب. الإنسان الضعيف يكون سريع الانفعال، يغضب إذا سمع قولًا جارحًا أو تعرض لفعل قبيح ولا يتجاوز عن الهفوات والزلات. هذه التصرفات تفرق بين قلوب الأفراد والجماعات، وتتسبب في القطيعة، وتشيع الحقد والحسد والانتقام. أما أثرها على الفرد والأسرة، فإنه يفكك العلاقات العائلية، ويقضي على الاحترام بين أفراد الأسرة، فينشأ الأطفال في وسط مليء بالرعب والخوف من لحظة غضب مفاجئة. لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله. فعن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرًا من مظلمة ظلمها قط ما لم تكن حرمة من محارم الله تعالى وما ضرب بيده شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما ضرب خادمًا ولا امرأة صلى الله عليه وسلم".

العفو عند المقدرة

رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض للإيذاء من طرف المشركين حيث أخرجوه من مكة تاركًا بيت الله الحرام والأهل والسكن، ولما تم له فتحها قال لهم: "ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فعفا عنهم". عفو سبقه حلم فكانت النتيجة تآخي وترابط المجتمع الإسلامي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزا". عندما نعفو عمن ظلمنا، يرفعنا الله درجات، ونكسب إخوانًا بدل أعداء، ونخلص أنفسنا من براثن الحقد والكراهية. يقول الله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199].

درجة الإحسان

روى البخاري قصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء فيها أن رجلًا أحسن إلى كلب يلهث عطشًا فسقاه ماءً فغفر الله له. إذا كان هذا جزاء من أحسن إلى الحيوان، فكيف بمن يحسن إلى الإنسان، خصوصًا إذا أساء إليه؟ روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته: "ألا أخبركم بخير خلائق الدنيا والآخرة: العفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك، والإحسان إلى من أساء إليك، وإعطاء من حرمك". إن الإحسان إلى الخلق يجعلنا من أخيار الناس في الدنيا والآخرة، مرتبة يتطلع إليها المؤمنون والمؤمنات فيخالطون الناس، ويصبرون على أذاهم، ويصلحون ما أفسده المفسدون بالرحمة واللين.

أحبابنا، إننا لا نكتفي بكظم الغيظ فقط، بل نعفو ونصفح ونحسن إلى من ظلمنا. وإن كنا فعلا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليكن الاقتداء به اختيارنا، وعفوه وإحسانه درسًا لنا يذكرنا كلما غضبنا. الأخوة في الله هي غايتنا، وإن من نحسبهم أعداء هم من أبكَوا رسولنا صلى الله عليه وسلم. قال الصحابة الأبرار: "أنتم أصحابي، وهم إخواني، آمنوا بي ولم يروني". صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلنا الله من إخوان رسوله الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس. آمين. والحمد لله رب العالمين.

تعليقات