يوم عاشوراء


مظاهر احتفالية عاشوراء : دين وسياسة وخرافة

خلفية تاريخية ودينية

بدأ المسلمون بالاحتفال بعاشوراء منذ حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، عقب هجرته إلى المدينة المنورة. وجد النبي اليهود يصومون هذا اليوم احتفاءً بنجاة موسى عليه السلام وشكراً لله على هذه المنة التي أنقذت بني إسرائيل من فرعون وجنوده. حينها، عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أولويته بأخيه موسى وعقد العزم على صيام التاسع والعاشر من محرم مخالفةً لليهود.
استمرت هذه السنة حتى وقعت مأساة كربلاء، حيث استشهد الحسين بن علي رضي الله عنهما وابنته فاطمة، وذلك عندما ثار ضد الحكم الأموي الذي تحول إلى نظام وراثي في عهد معاوية بن أبي سفيان. انتهت الشورى وحلت محلها الوراثة، مما أدى إلى تصاعد التوترات والصراعات بين المسلمين.

التأثير الشيعي والاحتفالات عند المسلمين 

استثمر الشيعة مأساة كربلاء لشحذها بشحنات عاطفية ودينية تعبر عن الحزن والندم على خذلان الحسين وأهل بيته. تجسدت هذه المشاعر في طقوس البكاء والعويل وتعذيب النفس بالجلد بالسياط والسكاكين، مما يعبر عن الحزن العميق والنزوع للانتقام.
في المقابل، انتشرت احتفالات عاشوراء بين أهل السنة في العالم الإسلامي، بما في ذلك شمال إفريقيا، كاحتفال سنوي يمزج بين الدين والتاريخ والسياسة والعبادات. تأثرت هذه الاحتفالات بمزيج من العادات الدينية الصحيحة والاحتفالات الشعبية اليهودية والمآثم الشيعية، بالإضافة إلى عادات ومعتقدات محدثة لا أصل لها في الدين.

تأثير الفاطميين والتحولات الثقافية

كان للحكام الفاطميين الشيعة دور كبير في نشر وتشجيع الاحتفال بذكرى عاشوراء في المغرب العربي، حتى أصبحت عادة راسخة لا يمكن الاستغناء عنها. حاولت السلالات الحاكمة بعد الفاطميين، مثل المرابطين والموحدين، اجتثاث هذه العادة أو على الأقل إفراغها من الطابع الشيعي. تم استبدال مظاهر الحزن والبكاء واللطم بمظاهر الفرح والسرور والتوسيع على الأهل والعيال والمساكين.
تميز المغرب الأقصى بالتشبث بعادات عاشوراء ونقلها من جيل إلى آخر، مستندين إلى مجموعة من الأدلة والحجج الصحيحة والمكذوبة لإقناع الخلف باتباع السلف. انتشرت طائفة من العادات في هذه الذكرى في مختلف مناطق المغرب القروية والحضرية.

المظاهر الشعبية والتفسيرات التاريخية

الصوم والأهازيج

يعد صوم العاشر من محرم من السنن النبوية الثابتة. جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس: “صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم”.
رغم ذلك، لا يحظى الصيام بقدر كبير من الاهتمام من قبل المحتفلين بذكرى عاشوراء، ربما بسبب تأثر المغاربة بالمذهب الشيعي الذي يكره الصيام في هذا اليوم، حيث يكتفون بالصوم عن الماء تشبهاً بعطش الحسين وأهل بيته.

الأهازيج والألعاب الشعبية

تشهد العديد من المناطق المسلمة أهازيج وألعاباً شعبية تميز احتفالات عاشوراء، وهي تعبيرات اجتماعية وثقافية تعكس البهجة والفرح. من أبرز هذه التقاليد، تلك التي تعتمد على الغناء والرقص الشعبي والألعاب النارية، مما يضفي جواً احتفالياً على المناسبة.
التوسعة على الأهل والعيال
تشمل احتفالات عاشوراء في المغرب أيضاً التوسعة على الأهل والعيال، من خلال تقديم الهدايا والمأكولات الخاصة بهذه المناسبة. تعد هذه العادة إحدى الطرق التي استُبدلت بها مظاهر الحزن واللطم الشيعية بمظاهر الفرح والسرور، كما أنها تساهم في تعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية.

الشعائر الدينية والخرافات

بالإضافة إلى العادات الشعبية، تتخلل احتفالات عاشوراء بعض الشعائر الدينية والخرافات. يعتقد البعض أن لهذا اليوم بركات خاصة، مما يدفعهم إلى القيام بممارسات معينة لجلب الحظ السعيد ودفع الشر. رغم أن هذه المعتقدات لا تستند إلى أدلة دينية صحيحة، إلا أنها أصبحت جزءاً من التراث الشعبي المرتبط بعاشوراء.

تعديل العادات

تعتبر احتفالات عاشوراء في المغرب مزيجاً معقداً من الدين والتاريخ والثقافة الشعبية. تبدأ الجذور الدينية لهذه الاحتفالات بصيام النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليوم عاشوراء، وتستمر بتأثير مأساة كربلاء والممارسات الشيعية. على مر الزمن، تداخلت هذه الجوانب مع العادات المحلية والتقاليد الشعبية، لتشكل طابعاً فريداً لاحتفالات عاشوراء في المغرب.
ورغم محاولات الحكام السابقين لاجتثاث أو تعديل هذه العادات، إلا أنها ظلت مستمرة ومتجددة، تعبر عن الهوية الثقافية والدينية للشعب المغربي. ومن المهم التفكر في هذه المظاهر بوعي، والتفريق بين ما هو مستند إلى الدين وما هو مستند إلى العادات والتقاليد، لضمان الحفاظ على جوهر الدين مع احترام التنوع الثقافي.

شركيات عاشوراء: مظاهر الاحتفال في البلدان العربية

أهازيج عاشوراء بين الاحتجاج والأماني

في ذكرى عاشوراء، تردد النساء والفتيات مجموعة من الأهازيج الشعبية المتنوعة، واخص بالذكر المغرب التي تتفاوت دلالاتها وتناقضاتها. تجمع هذه الأهازيج بين الاحتجاج على بعض السلوكات الاجتماعية والدعاء بالخير أو الشر، اعتماداً على مدى تفاعل الناس مع طقوس عاشوراء.
من بين الأهازيج المنتشرة تلك التي تعبر عن الاحتجاج على بعض المظاهر الاجتماعية مثل: "اخرجوا الحاجبات – هذا عيشور عاد جات – بابا عيشور ما علينا لحكام ألالا – عيد المولود كيحكموه الرجال ألالا". كما تتضمن بعض الأدعية بالخير وإنجاب الولد مثل: "عويد فوق عويد .. الله يعطيك وليد"، أو بالدعاء بالشر لمن لم يلتزم بتقاليد عاشوراء: "درجة فوق درجة .. الله يعطيك بنية عرجاء".

مظاهر الحزن والعويل: استلهام من الشعائر الحسينية

يتجلى في الأهازيج الشعبية تعبير الحزن والبكاء والشوق والندم على التفريط في حق "بابا عيشور"، مما يدعو إلى لطم الخدود وشق الجيوب ونتف شعر الرأس: "هذا بابا عيشور صلى وداه الواد – دفنوه في الركية بيضة نقية – حزنوا عليه الشرفاء والمخازنية – نتفوا الشعور دابا يطوالو، ندبوا الحناك دابا يبراو، أحيا واعيشور وأحيا – حالفة على راسي بزيت لا دهنتو – عاشور العزيز علي في الزاوية دفنتو".
هذه الأهازيج تستمد أصولها من الشعائر الحسينية التي يُحييها الشيعة في ذكرى استشهاد الحسين بن علي رضي الله عنهما. تتضمن هذه الشعائر التطبير (إسالة الدم من الرأس)، ولطم الخدود، والمشي على الجمر، والزنجيل (ضرب الظهور بالسلاسل)، تعبيراً عن الحزن العميق على مقتل الحسين وأهل بيته.

بابا عيشور: رمزية وإيحاءات

من الملاحظ غياب اسم الحسين رضي الله عنه وتعويضه باسم "بابا عيشور"، ويُفسر ذلك بالحظر والمنع الذي مارسته السلطات السنية بعد الفاطميين. حاولت السلطات تخفيف أو تحوير الاحتفالات بذكرى عاشوراء لتجنب ارتباطها بالشعائر الشيعية. ونتيجة لذلك، امتزجت عادات الحزن والبكاء بطقوس الفرح والسرور والقربات كالصدقة والزكاة والتوسعة على الأهل والمساكين.

التراشق بالماء وإشعال النار

يعتبر التراشق بالماء من أكثر عادات عاشوراء انتشاراً في المغرب، حيث يُعرف هذا اليوم بـ"يوم زمزم". تحرص الأسر في البوادي بشكل خاص على الاغتسال بالماء البارد ورش الأولاد والممتلكات والحقول بالماء، اعتقاداً بأن لذلك بركة خاصة في هذا اليوم. يعتقد البعض أن عدم القيام بذلك يجلب الكسل والتلف للممتلكات.
تعود هذه العادة إلى اليهود الذين كانوا يحتفلون بنجاة موسى وهارون عليهما السلام وبني إسرائيل من فرعون وجنوده. يربط البعض هذه العادة أيضاً بتوزيع الشيعة للماء في عاشوراء تذكيراً بعطش الحسين وأهل بيته.

يوم الشعالة: طقوس النار عادات المجوس

من العادات البارزة في احتفال عاشوراء في الدول العربية إشعال النار في يوم مخصص يعرف بـ"يوم الشعالة". توقد النيران بأكبر حجم ممكن، وحولها يرقص الناس ويرددون الأهازيج الشعبية، كما يقفز الأقوياء على النيران في جو من المرح والسعادة.
هذه العادة قد تكون متأثرة بطقس المشي على الجمر في الشعائر الحسينية، التي تهدف إلى تذكير النفس بآلام ومعاناة أهل البيت أثناء محنتهم.

الانحرافات والتناقضات

بالمقارنة بين المنطلقات الأصلية لذكرى عاشوراء والصورة الحالية لمظاهر الاحتفال، يظهر الانحراف الكبير الذي بلغته هذه العادات. تحولت من صور مشرقة في محاربة الظلم والانحياز إلى الحق إلى مظاهر من اللعب واللهو والاعتداء على حرية الأفراد. تشمل هذه الممارسات إهراق المياه العذبة والملونة على المارة، نشر المتفجرات، وتشجيع الأطفال على التسول.

التأثيرات الدينية والتاريخية والثقافية

تحمل مظاهر احتفالية عاشوراء في المغرب مزيجاً معقداً من التأثيرات الدينية والتاريخية والثقافية. بدأت بجذور دينية تمثل صيام النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومرورها بمأساة كربلاء والشعائر الحسينية، إلى تأثير الفاطميين ومحاولات التعديل من قبل الحكام السنيين.
رغم محاولات التخفيف من الطابع الشيعي لهذه الاحتفالات، إلا أنها ظلت متجذرة في النفوس والوجدان الشعبي. تمتزج فيها عادات الحزن والبكاء بطقوس الفرح والقربات، مما يعكس التداخل الثقافي والديني. يعكس ذلك تشبث المغاربة بهذه العادات، ولكن يجب التفكر في مدى توافقها مع التشريعات الدينية والتعاليم المذهبية، والتفريق بين الممارسات الصحيحة وما هو مستحدث دون أصل ديني.
تشير هذه المظاهر إلى التحول من طقوس ذات دلالات دينية قوية إلى احتفالات تحمل في طياتها مزيجاً من العادات الشعبية والخرافات، مما يستدعي إعادة النظر في هذه الممارسات وتصحيح المفاهيم لضمان الحفاظ على جوهر الدين مع احترام التراث الثقافي.












 

تعليقات